ابراهيم بن عمر البقاعي

52

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وإما لأنه ندم بعد إرساله خوفا من أن يكون التأويل شيئا لا يواجه به الملك ، فعزم على الهرب - على هذا التقدير ، وإما استعجالا ليوسف عليه الصلاة والسّلام بالإفتاء ليسرع في الرجوع ، فإن الناس في غاية التلفت إليه ، فقال : لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ قبل مانع يمنعني . ولما كان تصديقهم ليوسف عليه السّلام وعلمهم بعد ذلك بفضله وعملهم بما أمرهم به مظنونا ، قال : لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * أي ليكونوا على رجاء من أن يعلموا فضلك أو ما يدل ذلك عليه من خير أو شر فيعملوا لكل حال ما يمكنهم عمله ، فكأنه قيل : فما قال له ؟ فقيل : قالَ : تأويله أنكم تَزْرَعُونَ أي توجدون الزراعة . فهو إخبار بمغيب ، فهو أقعد في معنى الكلام ، ويمكن أن يكون خبرا بمعنى الأمر سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً أي دائبين مجتهدين - والدأب : استمرار الشيء على عادته - كما أشارت إليه رؤياك بعصر الخمر الذي لا يكون إلا بعد الكفاية ، ودلت عليه رؤيا الملك للبقرات السمان والسنابل الخضر ، والتعبير بذلك يدل على أن هذه السبع تكون - كما تعرفون - من أغلب أحوال الزمان في توسطه بخصب أرض وجدب أخرى ، وعجز الماء عن بقعة وإغراقه لأخرى - كما أشار إليه الدأب : ثم أرشدهم إلى ما يتقوون به على ما يأتي من الشر ، فقال : فَما حَصَدْتُمْ أي من شيء بسبب ذلك الزرع - والحصد : قطع الزرع بعد استوائه - في تلك السبع الخصبة فَذَرُوهُ أي اتركوه على كل حال فِي سُنْبُلِهِ لئلا يفسد بالسوس أو غيره إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * قال أبو حيان : أشار برأي نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا بحيلة إبقائها في السنبل - انتهى . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 48 إلى 51 ] ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ( 48 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ( 49 ) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 ) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) ولما أتم المشورة ، رجع إلى بقية عبارة الرؤيا ، فقال : ثُمَّ يَأْتِي ولما كانت مدة الإتيان غير مستغرقة لزمان البعد ، أتى بالجار فقال : مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الأمر العظيم ، وهي السبع التي تعملون فيها هذا العمل سَبْعٌ أي سنون شِدادٌ بالقحط العظيم ، وهن ما أشارت إليه رؤيا صاحبك الذي طار برزقه الطيور ، وسار بروحه غالب المقدور ،